انتخابات شعبية لإدارة العقوبات في إيران وكوبا

يَحتدم نقاشان حالياً في الأوساط الفكرية اليسارية والتقدمية في الولايات المتحدة:
النقاش الأول، عقب إعلان غابرييل روكهيل نشْر كتاب «رثاء النظرية الفرنسية»، وفيه نقدٌ للماركسية الغربية ولما بعد الحداثة التي تواطأتْ مع الإمبريالية الأميركية ضد التجارب الماركسية الموجودة فعلاً (كالاتحاد السوفياتي). وهناك ردود فعل هستيرية على روكهيل من قِبَل حماة الامتيازات الإمبريالية من مدّعي الماركسية والتقدّمية في الجامعة الأميركية (تقريباً جميعهم كذلك).
النقاش الثاني، عقب نشر كريستوف شورينغا كتابه «تاريخ اجتماعي للفلسفة التحليلية: كيف صاغت السياسة فلسفة لا-سياسية».
في الحالتَين، فكرة أنّ المدارس الفكرية عبر التاريخ تَخدم حواضر إمبريالية يجب ألا تكون صادمة، لكن النقاش المشار إليه يبدو كلحظة مارك كارني في المجال الفكري «كنا نَعلم لكننا غضضنا النظر»، أي «كنا نَعلم أننا نموَّل بسخاء في الجامعة الأميركية من أجل خدمة الإمبريالية بطريقة التفافية، لكننا غضضنا النظر»، أمّا اليوم، فلم يعد هناك جامعة تُؤوينا؛ أن تكون النظرية الفرنسية والتحليلية (المدرستان الكبريان المتنافستان في قسم الفلسفة الأميركي) على حدّ سواء ترتيبات إبستيمية-إمبريالية لمواجهة الشيوعية يجب أن يكون مؤشراً على الديناميات المؤسساتية لإنتاج المعرفة ذات السلطة في أي حاضرة إمبريالية.
الجامعة الأميركية منهكة اليوم نتيجة هجوم الثنائي الحزبي (الديموقراطي والجمهوري) عليها، بدءاً بالهجوم على العلوم الإنسانية عام 2008 (تفسير الأزمة أننا لم نركّز بما فيه الكفاية على العلوم STEM)، ثم على النظرية الفرنسية عام 2016 (لم تركز على الطبقة العاملة)، ثم على قوانين التنوّع DEI في الجامعات، وصولاً إلى القمع البوليسي للاعتراض على الإبادة في قطاع غزة (بطلب من الإدارات الجامعية وليس بطلب من السلطات المحلية كما في السبعينيات). إنها «لحظة كارني الأكاديمية»؛ أساساً النقاش بخصوص النظرية الفرنسية والماركسية الغربية والتحليلية لم يكن ليكون بهذه الحدة لو أن الهياكل الأكاديمية لتدوير ومعالجة النصوص لم تزلْ قائمة في الولايات المتحدة.
على كلٍّ، انحيازي إلى النظرية الفرنسية وإنجازاتها المنهجية واضح ضد الاستدارة السياسية في الفلسفة التحليلية؛ عمّا إذا كانت الجامعة الأميركية جاهزة للانتقال إلى مكان آخر (Translatio studii) وإذا كان الدفاع عن النظرية الفرنسية بعد تخلّي كل الأطراف عنها هو نفسه دفاع عن الجامعة، هذا موضوع آخر. أحاجج بأنه لو أبدتْ الجامعة الصينية حداً أدنى من الاهتمام بالإنسانيات والعلوم الإنسانية لما خطتْ الإستابلشمنت الأميركية بهذا الاتجاه العدائي الثنائي-الحزبي ضد الجامعة. الآن، ليس فقط في إدارة الرئيس ترامب المليئة برجال الأعمال، بل في عموم الحقل العام، هناك شكوى عامة من أن السياسيين يُبدون اهتماماً أقل بكثير من السابق في الاستماع إلى مشورة الاقتصاديين الأكاديميين في الولايات المتحدة وانعكس ذلك انخفاضاً في أعداد الطلاب الجدد في القسم. هناك نبْذ للاقتصاديين الأكاديميين بحسب التقارير الأميركية.
كنا قد تحدّثنا سابقاً عن كيف أن قسم الاقتصاد في الجامعة الأميركية يعمل بشكل مؤسساتي ممنهج على إقصاء موضوع العقوبات الأميركية على دولنا وأثرها الاقتصادي من الأبحاث وأن عدم تطوير (metrics) خاصة بها يُقصَد منها جعل العقوبات غير مرئية للباحث الأكاديمي وبالتالي التخفيف من أثرها في التغطية الإعلامية للأحداث المرتبطة بالأزمات الاقتصادية، اللاعدالة الإبستيمية واللاعدالة الشهودية (التسميتان أطلقتهما ميراندا فريكر)؛ أي ليس هناك مصطلحات أكاديمية تصف أثر العقوبات الأميركية على شعوبنا (اللاعدالة الإبستيمية)، وحين نتحدّث عن هذا الأثر يتمّ التقليل منه واتهامنا بأننا نبالغ (اللاعدالة الشهودية).
على كلّ، دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا يُحتمَل أن تتعرّض لعقوبات أميركية، وسنرى الدول «النموذجية» كيف ستتهاوى اقتصاداتها ومعها الخطابات الوعظية التي كانت تُستخدم لتبرير قتلنا وإبادتنا (هذه الدول تتراجع عن سيادتها كي لا يَفرض عليها ترامب ضرائب جمركية إضافية، فكيف ستكون الحال إذا فُرضت عليها عقوبات شبيهة بتلك التي على إيران أو كوبا).
نعم هناك ماركسية غربية، وهي في حالة يُرثى لها بعد أن تمّ تفكيك شرعيتها الأكاديمية، لكن هناك كيانات أكثر إثارة للشفقة: أتباعها في الدول الطرفية، فلا غرابة أن «الغارديان» ليس لديها سوى أساتذة الجامعة المركزية في فنزويلا (UCV) وهي موئل تاريخي لليسار المائع هناك: «صحيح أن هناك عقوبات على كوبا وفنزويلا وإيران وسوريا قبلاً، لكن يجب أن نثور على الفساد وسوء الإدارة»، رغم معرفتهم بأن العقوبات هي التي تَخلق وتهيكل ما يُسمى الفساد في دولنا (تَدعو واشنطن الجيش الفنزويلي علناً إلى الانقلاب على الرئيس مادورو، وحين يسعى الأخير إلى استرضاء الجيش عبر تسليمه قطاعات اقتصادية كي لا ينفّذ انقلاباً يبدأ التباكي بأن مادورو يعسكِر فنزويلا).
أو «علينا أن نُدين الحكومة الفنزويلية والإيرانية والكوبية والسورية سابقاً بمستوى إدانتنا نفسه لحروب ترامب الإمبريالية»؛ شرحنا سابقاً أن الجهاز الإداري المعني بالالتفاف على العقوبات يصبح تلقائياً هو «الطبقة السياسية الفاسدة». على كلّ، المستهدَفون من قِبَل الإمبريالية يَشعرون بمعاناة بعضهم البعض، يتفهّمون دون عناء ما يمرّ به الآخر؛ أولئك الذين يُستقبَلون على أكفّ الراحة في صفحات «الغارديان» لا يعرفون معنى أن تكون الإمبريالية الأميركية عدوك.
انتهت الحال بأتباع الماركسية الغربية أن يصبحوا أعداء أعداء الولايات المتحدة أينما كان، واستخدام عبارة الفساد التي لا مكان منهجياً لها في التحليل الماركسي، وتبنّوا مفهوم الإرادة الشعبية كما تخيّلتْها واشنطن: صندوق الاقتراع الذي يذهب إليه مواطنو الدولة-الأمّة لاختيار حكّامهم. هل تعنّى التابع الطرفي أن يضع تصوّرات جديدة مختلفة للاقتراع تعبّر عن أنواع مختلفة من الإرادة والسيادة الشعبيتَين؟ كيف تُقاس وتمثَّل الإرادة الشعبية وأين نجدها تحديداً، في أي تشكيل مؤسساتي أو دولتي؟ كل اقتراع غير الذي تدعو إليه واشنطن هو «هِترودوكس» (كان شعار المحافظين في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية «لا مزيد من التجارب»).
لنفترض اقتراع الشعب حول مَنْ هي الشريحة التي ستنال جزءاً من فائض القيمة خلال السنوات العشر المقبلة؟ (وذلك بدلاً من أن تتضاعف حصة المديرين التنفيذيين من شركاتهم عشرات المرات منذ الستينيات دون أي قيمة مضافة ودون أي نقاش شعبي عما إذا كانوا يستحقون هذه الزيادة الهائلة). لنفترض اقتراع الشعب مَنْ سيكون عميد هذه الكلية أو تلك في الجامعة مثلاً؟ أصبحتْ المخيلة السياسية لهؤلاء تابعة لإرادة واشنطن الحاضرة الإمبريالية بالكامل، ولذلك لا «يسقط النظام» في الولايات المتحدة، لأن الجامعة مَكّنتْ الولايات المتحدة من أن تصبح الستاندارد وباقي الحكومات هي «تجارب» سيكون لها نهاية في لحظة ما.
لماذا لا يُسمى سقوط نظام الفصل العنصري في المدارس والمؤسسات الأميركية «سقوطاً للنظام»؟ لأن الجامعة مَكّنتْ من تخيّل ما يحصل في الولايات المتحدة على أنه «تطوّر وتحولات طبيعية» على أن يبقى ما يحصل في واشنطن هو الستاندارد لباقي دول العالم. على كلّ، تصفية الجامعة الأميركية على يد الثنائي الحزبي قد يكون نهاية لهذا «الامتياز الباهظ» (exorbitant privilege).
ما نقترحه هنا هو أن نسيّس العقوبات المفروضة علينا ضد إرادة قسم الاقتصاد في الجامعة الأميركية الذي أراد أن يَنزع الطابع الاقتصادي للعقوبات ويعطيها طابعاً أخلاقوياً، أي إنه غير مرتبط بالاقتصاد كـ«عِلم». نَقترح هنا أن تنظّم إيران وكوبا (الدولتان المتبقيتان) انتخابات دورية يَختار الشعب من خلالها مَنْ سيُدير ملف الالتفاف على العقوبات الأميركية، لأن الشعب يَشعر بالضغط الاقتصادي الذي تتسبّب فيه العقوبات وهو يَشعر أن حكومته لا تُدير هذا الملف بشكل جيد. بالتالي بدلاً من تعيين الحكومة للجنة مكلفة الالتفاف على العقوبات، نُحيل إلى الشعب مسألة النقاش حول مَنْ يحقّ له أخذ راتب مرتفع (وكم هو هذا الراتب) مقابل الالتفاف على العقوبات.
لا تَمتلك الدولة لغة سياسية و«علمية» اقتصادية لمعالجة ملف المعاناة من العقوبات، وذلك بفضل التقدّمي في الجامعة الأميركية الذي يقدّم نفسه كمثال إلهي للالتزام الأخلاقي الذي لا لبس فيه، وعلينا الآن أن نعمل من خلال هذه الانتخابات الشعبية الدورية على تطوير هذه اللغة.
* باحث
